إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2017/02/12

Dr Mustafa Rajab: Letter on the Origins of Iraq Reinsurance Company


د. مصطفى رجب:

أصول شركة إعادة التأمين العراقية

 

 

نشرت هذه الورقة لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين



 

تقديم لرسالة الدكتور مصطفى رجب

 

كتبتُ أكثر من مرة بأن تاريخ التأمين في العراق لم يُبحث، والمحاولات القليلة التي قمتُ بها بهذا الشأن لا ترقى إلى مستوى البحث التاريخي الأكاديمي.  وكان من بين هذه المحاولات مشروع للتحقق من جذور شركة إعادة التأمين العراقية الذي بقي معلقاً بانتظار الوصول إلى بعض المعلومات رغم تأكدي من الدور الأساس للدكتور مصطفى رجب بهذا الشأن.  فقد ذكرتُ في الجدول رقم 2 في مقالتي "ممارسو التأمين العراقيين في المهجر" المنشور في مجلة التأمين العراقي (نشرت آخر نسخة منقحة منه بتاريخ 18 آب 2014)


أن مصطفى رجب هو "من مؤسسي شركة إعادة التأمين العراقية وكان مديراً عاماً لها لعدة سنوات.  ترك العراق وعمل في إدارة شركة تأمين إماراتية وطنية، وبعد تقاعده عن العمل صار يعمل استشارياً في مجال التأمين في دولة الإمارات العربية حيث يقيم."

 

إن المعلومات المتوفرة عن شركة إعادة التأمين العراقية لا تتجاوز سنة التأسيس والقانون الخاص بالشركة والأطراف المساهمة في رأسمالها.  مع بدء 2017 تبادلت بعض الرسائل مع زميلي جون ملكون وسمير عبد الأحد (نعمل معاً كهيئة طوعية غير ربحية باسم التجمع التأميني العراقي) عن اسم/أسماء الشخص الذي فكَّر بتأسيس شركة إعادة التأمين العراقية.  كان رأي جون ملكون أن سؤال التعرُّف على صاحب فكرة تأسيس الإعادة العراقية يجب أن يوجَّه للدكتور مصطفى رجب، مضيفاً أنه "كان للمرحوم واركيس بوغوص دوراً في قيادة الشركة على الصعيد الدولي."  وكان رأي سمير عبد الأحد أنه لم يكن للمرحوم واركيس أي دور في الفكرة أو التأسيس، وأن الفكرة، في اعتقاده، "بدأت أولاً لدى الوزارة حيث اختير الدكتور مصطفى لإدارتها ووضع أساليب العمل واختيار الموظفين ومن ضمنهم المرحوم واركيس.  مع ذلك أرجو التأكد من الدكتور مصطفى توخياً للأمانة."

 

في تعليقي على ما ذكره سمير كتبت التالي: "اتفق معك بأن الفكرة بدأت لدى وزارة الاقتصاد ولكن دون أن نعرف من كان صاحب الفكرة.  ليست هناك معلومات منشورة بهذا الشأن.  ما يؤيد أن الفكرة بدأت لدى الوزارة ما قرأته مؤخراً في كتاب د. حافظ شكر التكمجي، مذكرات إنسان وتحديات الحياة والزمان (دون ناشر، 2016)، ورد فيه أن حكومة ثورة تموز 1958 عينته معاوناً لمدير الاقتصاد العام في وزارة الاقتصاد، وأن الوزارة حققت إنجازات كبيرة ومنها "ربط شركة التأمين بالوزارة [اعتقد أن الشركة المعنية هي شركة التأمين الوطنية]، وإنشاء شركة إعادة التأمين وأصبح مديرها العام الدكتور مصطفى رجب." (ص 126-127).  وبالطبع، فإن هذا الاقتباس لا يضم تشخيصاً أو معلومات تفصيلية يمكن الاستفادة منها لأغراض البحث التاريخي.

 

وهكذا توجهت إلى الدكتور مصطفى رجب مباشرة للتحقق من الموضوع.  ومن بين ما كتبته في رسالتي له بتاريخ 30 كانون الثاني 2017 الآتي:

 

"... وجودك حاضر معي دائماً كلما جاء ذكرٌ لشركة إعادة التأمين العراقية أو عندما يُشار إلى من أسماهم أحد أصحابي بعمالقة التأمين في العراق وهو القائل بأننا نهلنا المعرفة التأمينية والمهارات العملية المرتبطة بها بفضلهم ولأننا كنا نعمل في ظلهم، وأنت من هؤلاء العمالقة إضافة إلى آخرين، مع حفظ الألقاب، كبهاء بهيج شكري وعبد الباقي رضا.

 

بودي أن أتابع التحقيق في موضوع تأسيس الإعادة العراقية معك، إن كنت لا تمانع في ذلك.  ربما يسهل عليك الأمر لو أنني قمت بتوجيه مجموعة من الأسئلة لك بهذا الشأن.  وعدا ذلك سأكون ممتناً لك لو كتبت شيئاً عن تأسيس الإعادة العراقية التي ارتبط وجودها وتطورها وتعزيز مكانتها داخل وخارج العراق بك لعقدين.  آمل ذلك."

 

وقد كان الدكتور كريماً معي فكتب رسالته أدناه.  هي بمثابة الوثيقة التاريخية المكتوبة بتجرد وتواضع في عرض شديد الاختصار لخلفية تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية ودوره الأساس فيها منذ لحظة ولادتها كفكرة.  وفي ظني أن لديه الكثير الذي يمكن أن يقوله عن الإعادة العراقية، فهو صانعٌ ماهر لتاريخ هذه الشركة لحين ابتعاده عنها عام 1980 ولأنه شاهدٌ على قضايا التأمين في العراق.  ومن رأي أن الدكتور مصطفى رجب ليس هو فقط المؤسس الفعلي لإعادة التأمين كنشاط اقتصادي متميز وإنما الرائد لمؤسسة إعادة التأمين العراقية.  من المؤسف والمحزن أنه أسس وبنى ليأتي غيره، من داخل وخارج العراق، ليضعضع البنيان الناجح الذي اسمه شركة إعادة التأمين العراقية – "مدرسة" تخرج منها مجموعة خيرة من ممارسي إعادة التأمين انتشروا، كرائدهم الدكتور رجب، خارج العراق.

 

ويسرني أن أنقل رسالة الدكتور مصطفى رجب للقراء بعد الحصول على موافقته.  آمل أن تلقى ما تستحقه من تعليقات نقدية وإضافات في سياق تحديد جوانب من التاريخ الاقتصادي لقطاع التأمين في العراق.  فعندما قام بتأسيس الإعادة العراقية عام 1960 لم تكن هناك شركات متخصصة بأعمال إعادة التأمين في دول "العالم الثالث."  كانت هناك مللي ري التركية (1929)، وبالنسبة للعالم العربي، الشركة المصرية لإعادة التأمين (1957، باشرت العمل سنة 1958)، والشركة التونسية للتأمين وإعادة التأمين (1959).  كان ذلك قبل تأسيس الأونكتاد (1964) التي أخذت وقتها تشجع على تأسيس الشركات الوطنية والمجمعات الإقليمية لتطوير صناعة التأمين وإعادة التأمين في هذه الدول.

 

مصباح كمال

9 شباط 2017

 

 

نص رسالة الدكتور مصطفى رجب

 

أبو ظبي في 4/2/2017

 

الأخ الأستاذ / مصباح كمال المحترم

 

تحية طيبة وبعد،

 

أشكركم لما حوته رسالتكم من مشاعر أخوية أثارت في نفسي ذكريات دفينة، وكما تعلم فإن كبار السن يعيشون على الذكريات حلوها ومُرَّها.

 

في أواسط سنة 1959 (وكنت حينها أشغل وظيفة مسجل الشركات في وزارة الاقتصاد بعد فترة قصيرة قضيتها مستشاراً قانونياً لمجلس الإعمار في بغداد) اتصل بي وزير الاقتصاد وسألني السؤال الآتي: يُقال ان بعض الشركات تسمي نفسها شركات إعادة التأمين، ما هي هذه الشركات؟  أجبته أنني سأبحث الموضوع وأعود إليه.  وبعد عدة إيام من البحث والتقصي جمعت المعلومات المطلوبة وقدمتها إليه في اجتماع في الوزارة.  فبادرني بالقول: لماذا لا نؤسس شركة إعادة تأمين في بغداد؟  وكلفني باتخاذ الإجراءات المقتضية.

 

وقمت خلال ثلاثة أشهر بإعداد الدراسات وتنظيم عقد التأسيس والنظام الأساسي على أساس أنها ستكون شركة ذات رأسمال مختلط (قطاع عام وقطاع خاص)، تُؤسس بقانون خاص يُلزم شركات التأمين العاملة في الدولة بإسناد حصة إلزامية في إعادة التأمين من القعر، أي حصة من وثائق التأمين وليس من اتفاقيات إعادة التأمين الصادرة.

وبالنظر لعدم وجود أية خبرة في أعمال إعادة التأمين في العراق في حينه فقد اتصلت بالشركة السويسرية لإعادة التأمين لتقديم المساعدة الفنية وقيادة اتفاقيات إعادة التأمين (Retrocession) الخاصة بالشركة حيث بادرت الشركة السويسرية بإرسال أحد موظفيها المختصين وأعتقد أنه كان (Mr Kunz) حيث أمضى معنا فترة ثلاثة أشهر في بغداد وكان مثالاً للسويسري الجدّي والدقيق في عمله والحميم في علاقاته الشخصية.

 

وأذكر أن وزير الاقتصاد كلفني، بعد تأسيس الشركة، بالبحث عمن يمكن أن يتولى إدارة الشركة حيث أجريت الاتصالات بالعديد من المختصين العاملين في سوق التأمين العراقية فلم يقبل أحد منهم هذه المهمة.  كما أجريت الاتصالات بسوق التأمين المصرية (بسبب أنهم سبق وأن أسسوا الشركة المصرية لإعادة التأمين في سنة 1958 م) فلم يقبل أحد منهم.

 

وحينما اقترب موعد بدء الشركة بأعمالها الرسمية ولم يكن قد تم تعيين من يديرها، كلفني وزير الاقتصاد بإدارة الشركة وكالة.  لقد ترددت في حينه إذ أنني وإن كنت أعمل في وزارة اقتصاد إلا أنني كنت أتطلع (منذ عودتي من الدراسة في سويسرا) إلى التدريس في كلية الحقوق (هكذا كان اسمها).  وقبلت المهمة بشرط أن تكون المدة ستة أشهر، وانقضت الأشهر الستة ولم نُفلح في العثور على المدير المنشود فكلفني وزير الاقتصاد بالانتقال إلى إدارة الشركة بشكل نهائي، وهكذا كان لكي يستمر عملي في ميدان التأمين وإعادة التأمين 55 سنة!

 

وكانت المهمة الدقيقة هي البحث عن مجموعة من الشباب العراقيين ممن أتوسم فيهم الكفاءة والإخلاص (أو الإخلاص والكفاءة) وممن يتقنون اللغة الإنجليزية لأنها لغة إعادة التأمين.  اتصلت بإدارة (جامعة الحكمة) لترشيح مجموعة من الشباب ممن كانوا في الصف المنتهي حيث تمَّ ذلك، واتصلت بالمرشحين وأقنعتهم بالالتحاق بالشركة، ثم التحق بالشركة عدد آخر من الشباب الأكفاء من خريجي الجامعة في بغداد حيث جرت عملية تدريب مكثفة داخل العراق وفي سوق التأمين في لندن.

 

وبدون ذكر أية أسماء خوفاً من نسيان أحدهم أقول:

 

لقد كانت مجموعة الشباب الذين عملوا معي في شركة إعادة التأمين العراقية مجموعة متميزة: خُلقاً وكفاءة، عملوا بكل تفان ونكران ذات، بذلوا جهوداً مضنية وكرَّسوا كل وقتهم من أجل اكتساب الخبرة في ميدان جديد، وقد اكتسبوها عن جدارة.  وكان يقال في حينها: هناك جهتان تبقى مكاتبها مُضاءة في بغداد حتى الساعة العاشرة والحادية عشر ليلاً: البنك المركزي وشركة إعادة التأمين العراقية.

 

وفي سنة 1963 (إن لم أكن ممن تخونهم الذاكرة) كانت شركة إعادة التأمين العراقية أول شركة إعادة تأمين من الدول النامية تفتح لها مكتب اتصال (Contact Office) في لندن.  وكانت الفكرة من وراء تأسيس المكتب ليس فقط الوجود الفعلي في سوق عالمية هي سوق لندن وإنما لإرسال مجموعة من الشباب للعمل في مكتب وسوق لندن ثم العودة بعد عدة سنوات لاحتلال مراكز متقدمة في الشركة.

 

ولقد كان واضحاً لديَّ منذ البداية أن أعمال إعادة التأمين لا تتلاءم مع القيود المفروضة في العديد من الدول على تحويل النقد الأجنبي التي يفرضها البنك المركزي فأجريت الاتصالات مع المسؤولين في البنك المركزي وبإسناد من وزارة الاقتصاد تم إعفاء الشركة من القيود على تحويل النقد إلى الخارج.

 

وأذكر أن ممثلاً لإحدى شركات إعادة التأمين العالمية والمسؤول عن المنطقة قال لي يومها: حينما يتقرر أن أزور المنطقة للاجتماع مع شركة إعادة التأمين العراقية فإنني أقوم بتحضير معلوماتي وأوراقي بشكل دقيق لأنني أعلم أنني سألتقي بأشخاص مختصين.

 

لقد كان هدف جميع العاملين في الشركة إثبات أن ممارسة أعمال إعادة التأمين ليست حكراً على الدول المتقدمة.

 

أرجو أن أكون قد أعطيت معلومات موضوعية عن تجربة تستحق الذكر.

 

مع خالص تقديري ومودتي.

 

الدكتور مصطفى رجب

ليست هناك تعليقات: